طائر الشمال
مجلة عربية حرة ومستقلة جامعة. جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير محمد عبد المجيد صدر عددها الأول في يونيو 1984 المراسلات Taeralshmal@gawab.com Taeralshmal@hotmail.com Oslo Norway
متى ينسحب العراقيون من العراق؟

 
الإحتلال أمر واقع، وجامعة الدول العربية تبعث مندوبيها، وتستقبل أعضاء الحكومة العراقية الذين ينقلون رغبات اليانكي كأنها ألسنة الوطنيين.
قوات الإحتلال أعطتها أجهزة الإعلام العربية اسما جديدا، وهو القوات الدولية أو الأمريكية وكأنها تتدرب في قواعد بشيكاجو أو هيوستون أو ميتشجان.
الطائفية صنعت فعلا مجتمعا تجزيئيا تتقاسمه الهويات القاتلة، ويحدد اسمك السني أو الشيعي أو المسيحي عمرك الإفتراضي.
يهرب العراقيون من جحيم الوطن الأم، وتتحدث حكومة المنطقة الخضراء عن الأمن والسلام بعد مطاردة فلول القوى الارهابية.
التطرف الديني بلغ حده الأقصى، وكرامة المرأة في حدها الأدنى، وتصفية الأكاديميين وأساتذة الجامعات والعلماء تجري على قدم وساق، فتخليص العراق منهم رغبة إسرائيلية تحققها قوات الإحتلال، ويغض المالكي الطرف عنها.
صحيح أن العنف الظاهري وصل إلى مرحلة متدنية، وعمليات المقاومة التي للأسف الشديد اختلط على الناس بها الإرهاب الأعمى تراجعت كثيرا، لكن حكومة فيشي العراقية وقوات الاحتلال لايزالون يحتمون بالمنطقة الخضراء، فالاستعمار لا يصنع سلاما، والمتعاونون معه لا يمكنهم أن يخلقوا أمنا، أو يطورا سلوكيات، أو يقدموا مشروعا أخلاقيا.
تراجعت المقاومة عندما رفضت طوال خمس سنوات أن تكشف الجانب القبيح من الإرهاب، وتركت الأوغاد يقتلون، ويدمرون، ويفجرون أنفسهم في مساجد ومستشفيات، ويذبحون جرحى، ويجزون رؤوس أبناء بلدهم.
المقاومة العراقية الشريفة كانت تستطيع أن تجمع حولها الشعب كله لو أنها قاومت الإرهابيين، وكشفت أسماءهم، وطاردت مخابئهم، وقامت بتصفيتهم على قدم المساواة مع أعداء الوطن.
رغم بشاعة جرائم الاحتلال وقوات فيشي العراقية المتعاونة معها، ورغم أن سجون العهد الجديد لا تختلف عن سجون جمهورية الرعب في عهد صدام حسين، إلا أن مقاومة شريفة مرادفة لغباء سياسي تساوي نصرا لعدو خائف يتعاون معه وطني أحمق.
الطائفية التي صنعها الوجود الأمريكي ليست أزمة يمكن حلها بنظام المحاصصة، لكنها كراهية تم تثبيتها في الصدور، وقام المدافعون عنها باستدعاء الأدلة والشواهد من تاريخ السلف، وكل عراقي يظن أنه يملك مفاتيح الجنة والحق، وأن ابن وطنه المختلف معه في تربية دينية تلقاها منذ الطفولة لن يشم ريح الجنة أبداً.
آلاف المواقع على النت، وعشرات الآلاف من الشباب المهووسين بجنون الجدال الأجوف نقلوا الحرب إلى الشاشة الصغيرة، ويستطيع كل طرف عراقي الآن بعد خمس سنوات من تدنيس أرض الرافدين أن يقحمك المهالك، وأن يحدد لك موقعك في جحيم الآخرة وفقا لأدبيات الطائفية الجديدة.
لن يقيم العراقيون سلاما في وطنهم بحملات المداهمة والاعتقال والمطاردة وفتح المعتقلات وتعذيب المناهضين واغتصاب العراقيات واتهام كل مناهض للحكومة الوطنية الأمريكية بأنه ارهابي أو بعثي أو قاعدي.
العراقيون في حاجة إلى ما لم تستطع أن تأتي به قوات الاحتلال وهي رسالة المحبة والوطنية والتسامح تجاه الآخر ونبذ الطائفية واعتبار توسعة الخلافات المذهبية وصمة عار في تاريخ العراق.
الشياطين تضحك ملء وجوهها وهي ترى العراقيين يتربصون بأبناء وطنهم في حماية قوات الغزو الأمريكي، فالمعادلة الوطنية لم تعد ترى الأولوية في طرد الاحتلال، لكن في ازاحة المخالفين عن الطريق حتى لو كانوا مسيحيين عراقيين تشهد أنسجة أجسادهم أنهم ينحدرون من أجداد لم يعرفوا وطنا لهم غير ما تروي أرضَه مياهُ دجلة والفرات.
العراقيون يفترشون الأراضي السورية والأردنية والتركية والإيرانية، ثم يقولون بأن تدخل الجيران هو الذي يحول بينهم وبين السلام في بلادهم.
تفريغ العراق كأن طاعونا أصابه سياسة منهجية يشترك فيها خصوم الوطن والشعب، فإذا أضفنا إليها تصفية العلماء والمثقفين والإعلاميين والأكاديميين والأطباء وأصحاب التخصصات النادرة، فهمنا على الفور أن العراق يتعرض لعملية تقسيم بدأ يوم أن تم تقسيم مجاله الجوي،
ثم ظهر الحديث الطائفي الذي انتهى إلى القتل على الهوية. في أزمنة سابقة كانت كلمة التعاون مع الاحتلال تقرع ضمير أي عربي، ويحتقر الانسان البسيط أي اسم يعرف عنه أنه ابتسم في وجه جندي محتل أو أحد أذناب الاستعمار.
والتاريخ يحتقر أيضا المتعاونين، وفيشي رمز للعار الفرنسي، وكفيسلنج نموذج للعار النرويجي، وحتى السفير المصري في إسرائيل يعتبره الوطنيون المصريون ايللي كوهين بلسان مصري وقلب عبري.
صنع صدام حسين جمهورية الرعب، وقتل نصف مليون شخص من ابناء بلده، وجعل الجحيم في أسماء السجون والمعتقلات، ولم يكن العراقي يتنفس في عهده إلا بأمره، ومع ذلك فملايين العراقيين يتحسرون على عهد دراكيولا العرب، ويعتبرونه رمزا لنضالهم وجهادهم وعزتهم وكرامتهم ( التي مرغها لهم في التراب لثلاثة عقود )، وهذا يدل على أن العصر الأمريكي الذي تتحدث باسمه حكومة طائفية متعاونة مع خصوم الوطن أكثر سوادا وذلا ورعبا من جمهورية الخوف في عهد الطاغية السابق.
العنف تدنى، لكن الأمن لم يعرف طريقه للعراق رغم وجود مئة وخمسين ألف جندي أمريكي طوال خمس سنوات، ورغم عمليات التعذيب في أبو غريب التي تنافس فيها رجال صدام حسين وبوش في عهدين مختلفين، ولم يتأخر المالكي وعلاوي والجلبي عن الحفاظ على السجون العراقية كرمز لاذلال المواطن.
العراق يشهد تفريغا لسكانه، ولن يمر وقت طويل حتى يفاجئنا نشر خبر عن العثور على عراقيين في وطنهم!
الخبر العادي الآن عن تفاؤل الكثيرين في مستقبل العراق، لكن لم يقل لنا أحد أن المستقبل سيكون مع أو بدون الشعب العراقي!
 
 ربما سيحتفل الاحتلال والحكومة بجعل العراقيين في المنافي أكثر عددا من سكان الوطن البائس!

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية