طائر الشمال
مجلة عربية حرة ومستقلة جامعة. جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير محمد عبد المجيد صدر عددها الأول في يونيو 1984 المراسلات Taeralshmal@gawab.com Taeralshmal@hotmail.com Oslo Norway
صناعة القرار في فكر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

أوسلو في 9 يناير 2008
 

الكتابةُ عن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ليست أمراً هيّناً لأن زاويةَ الرؤية تختلف من كاتب إلى آخر، وقد تختار إحداها فتكتشف أنها الأقل أهمية مقارنة بالزوايا الأخرى.

وقد يقع اختيارُك على أخرى فتغرق في مساحات واسعة من فكر الرجل، وتتملكك الحيرةُ فلا تدري من أين تبدأ!

تلميذ مُخْلِصٌ للاثنين معا: الوالد الروحي والوالد الحقيقي، رحمهما الله، فيأخذ من الشيخ زايد وينصت إلى الشيخ راشد فتتكون لديه حالة إنسجام حقيقية مع فكر القائديّن، أسكنهما الله فسيح جناته، لكن بصماته تظل تحمل في كل قراراته هويتَه الشخصية.

في كتابه ( رؤيتي ) يفتح الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عقله وقلبه مع كل صفحات الكتاب، وأعترف بأن ما جاء بهذا الكتاب نقلني من حالة بحث الفكر إلى فكر البحث، ومن الاعجاب إلى الانبهار رغم أنني كتبت عنه عدة مرات في العشر سنوات المنصرمة، لكن الصورة لم تكن بهذا الوضوح الكريستالي كما هي بين دفتي ( رؤيتي) .. سِفْر الفكر الإداري والعبقري للقيادة.

هل التغيير يأتي من القاعدة أم من قمة الهرم؟

سؤال ما أنفك يفرض نفسه في كل مكان وزمان رغم أن تجارب البشرية في تاريخها كله تقف مع خيار واحد وهو أن القائد هو الذي يملك مفتاح الدخول إلى مصنع الطاقات المثبَّت داخل أفراد شعبه، ويستطيع أن يستخرج منه الأفضل والأنقى والأسرع إنْ أراد، لكنه قادر أيضا على إغلاق المصنع أو ترك مفتاحه بين أيدي رجال يحيطون به فيعبثون بكل الأزرار، ويطفئون الأنوار، ويصنعون سلوكيات متكاسلةً قائمة على بيروقراطية وفساد وفكر سلحفائي لا تدري إنْ كان موتاً فيه بقايا حياة، أو حياة تتساوى مع الموت.

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لا ينتظر خِتامَ الكِتاب ليبلغنا باكتشاف سِرِّ تأخُر عالمنا العربي رغم الطاقات والموارد والمواقع الاسترتيجية والأنهار والبحار والانسان وقوة الدفع في تاريخ يمتد لمئات الأعوام صاعدا إلى القمة وهابطا إلى قاع الوادي.

إنها “ أزمة قيادة وأزمة إدارة وأزمة أنانية مستحكمة"!

إنه لا يلقي اللوّمَ على الشعب، فهو يعرف أنَّ القيادة هي فن إدارة الشعب.

القائدُ كغوّاص يبحث عن اللؤلؤ والفارق بينهما أنَّ الثاني يجد نفسه أمام كمية ضئيلة وفي مساحة صغيرة، أما الأول فلديه خيارات عديدة، والكنوز التي يعثر عليها متنوعة وغنية.تلك هي رسالات الأنبياء والمصلحين والعلماء والثوار والقديسين والفرسان.

الشعب لا يختار قائده لكنه يرى في المرآة نفسه في قائده.

والقائدُ إمّا أنْ يُشَمّر عن ساعدَيّه، وينزل الميدانَ ويحرك كل عضلة وفكرة وابداع في أفراد شعبه أو يطل عليهم من شرفة قصره كأنهم غرباء عنه فيتركهم بين أيدي رجال يقومون بحمايته وليس بخدمة الشعب.

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لا يؤمن بما يطلق عليه الزعماء الآخرون ويؤيدهم مثقفون وصانعو القرار الاعلامي من أن التجربة في أي مشروع لن تجعل الدولة تخسر كثيرا، فالرجل يرى أن “ الفشل معلّم كبير، لكن ليس عندنا وقت نتعلم من فشلنا لأننا لسنا ذوي تجربة في الفشل"!

نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وزير الدفاع يرى أن نجاح الآخرين أو فشلهم يتحول

بالتالي في ذهنه إلى نجاح! هنا لا يفتح الشيخ محمد راشد كُوَّة صغيرة يطل منها على تجارب الآخرين، لكنه يفتح كل النوافذ والأبواب شريطة أن لا تكون هناك تجربة فاشلة لأنه في سباق.

إنه يعرف طبيعة الخيل التي كما قال الكواكبي ( إنْ خُدِمَتْ خَدَمَتْ، وإنْ ضُرِبَتْ شَرَسَتْ ) وهو لا يربِت عليها فقط أو يعطيها قطعة سُكَّر أو يأمل أن تنجح في أحد السباقات، لكنه يقوم بالتدريب، والتشجيع واختيار الأصلح للوصول إلى الهدف قبل الآخرين.

هنا تتسع حدقتا عينيه، ويلمس بُحب عروبي جارف كل شبر في وطنه العربي الكبير، فيخرج من دبي، ثم من الامارات ويتوجه للعرب كلهم قائلا “ كل الانجازات التي تحققت في الإمارات إنجازات للعرب جميعا، وكل مشاريع دبي للعرب جميعا".

الشيخ محمد بن راشد لا يمشي، ولا يُسّرِع الخُطى، ولا يجري، لكنه يسابق الزمن والآخرين، ويصف الفشل بمرارة شديدة فيقول “ الجائزة كبيرة والفشل كارثة وطنية وقومية لذا سنعدو مع العدّائين كلهم عندما تشرق الشمس في كل صباح ".

صناعة النجاح والعدّائين تحتاج إلى وقود لا ينتهي أو ينفذ فهو في صدر القائد وفي فكره تختصره كلمةٌ واحدة هي الأمل.

إنه يجدد السباق صباح كل يوم، ويريد أن يفوز في كل مرة وليس بعد عدة تجارب، وفشل، وسقوط ثم النهوض.

هنا تبرق الفكرة العبقرية للقائد فيقول" الحصان الثاني لا يعرفه أحد، لذا لا بد أن نكون في المقدمة، ثم نريد أن نحقق المهمة الأصعب ونظل في المقدمة".

ثلاثة نجاحات في سباق واحد، فهو لا يراهن على الحصان الثاني الذي لا يعرفه أحد، وهو لا يقبل بأقل من المقدمة، ثم لا يتنازل عن المقدمة قيد شعرة.

إنه لا يرفع السباّبة والوسطى في علامة نصر، ثم يُسَلّم الرايةَ لغيره، أو يبرك الحصان ويستريح، لكنه يلتصق بالمقدمة، ولا يتنازل عنها، ولا يشارك الحصانَ الثاني ولو جزءً يسيراً منها.

هنا تأتي فكرة الحُكم التي ينظر إليها الشيخ محمد بن راشد نظرةً مختلفة تماما عن أكثر القادة الآخرين في عالمنا العربي. إنه ليس حاكما، لكنه وكيل للشعب.

عندما يصف قائد نفسه بأنه وكيل للشعب وليس مهمته أن يلحق بالآخرين، ولكن أن يفوز عليهم فهذا يعني أنه يضع نفسه في موضع المساءلة كوكيل للشعب وليس الاستعلاء أو الفوقية كحاكم بأمره.

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يلقي بثقله كله خلف قناعاته بالدور المميز في المقدمة فيقول:" إن لم تكن في الطليعة فأنت في الخلف"!

ثم يُحَذّر من الهرولة خلف الآخرين إن لم تكن كقائد أو إداري مقتنعا بأنك أهل للصدارة.

لا يقوم القائد هنا في شرح ( رؤيتي ) بالتنظير السياسي بعيدا عن الواقعية الاقتصادية، فالسياسة بمفردها يمكن تزويرها في بطولات ثورية لا تحتاج إلاّ إلىَ ورق وتروس مطابع وميكروفونات وحزمة من الاعلاميين القادرين على اعادة رسم المشهد الوطني كما يريده سيّد القصر حتى لو فشلتْ كل المشروعات الاقتصادية، وصنع نظامُه أفواهاً جائعة، ومناحات صامتة في كل بيت تطلقها ربّةُ الأسرة كلما أصخت السمع لصياح بطون أطفالها.

هكذا يدخل القائد الإماراتي في صلب القضية دون زركشة أو تمهيد سياسي يبرر لاحقا أي فشل، فيقول:” الاقتصاد عصب الحياة ..إنه الخبز والكتاب والاستقرار والرخاء والسياسة وجوهر العلاقات والمصالح بين الشعوب ومئات الأشياء الأخرى التي يحتاجها الإنسان".

هنا يضع هذا الإداري العبقري السياسة بعد الخبز والكتاب والرخاء، ويقطع الطريق على مثقفي السلطة الذين يسمعون خطاب سيّد القصر ويصُمّون آذانهم عن أوجاع رجل الشارع.

إنه يرفض البطولات الوهمية التي تصنعها السياسة والاستقبالات والحفلات والاحتفالات والكلمات النارية عن القوى المعادية المتربصة بالوطن.

الشيخ محمد بن راشد يتحدى عندما يقول لشعبه بأن الأولويات لديه هي الخبز والكتاب والرخاء والاستقرار، ويُحرج الآخرين الذين يحاولون اقناع شعوبهم بأن خطب الزعيم والمانشيتات الرئيسة في صحف الصباح بأقلام رؤساء التحرير من مكاتبهم في الطوابق العليا تحمل في طياتها الخبز والرفاهية والانجازات.

ويصل القائد الدبياني بفكره إلى العين وأبوظبي والشارقة والفجيرة وأم القيوين ورأس الخيمة وعجمان فهو ليس فقط حاكما للعاصمة الثانية .. دبي، إنما هو رئيس حكومة كل الإماراتيين وضيوفهم.يقول بحسم كأنه ينظر في عينيّ كل إماراتي شارحا فكرة استيعاب الحضارات السابقة والعبور إلى آفاق جديدة من التطوير والتميز:” عندما يتحول الشعب بكامله إلى فريق عمل واحد".

لا يترك هذا القائد الإماراتي الكبير المتابعين له في حيرة، فيصف الحل الوحيد لتطور الدولة وذلك " عندما يرحم الله شعبا فيرسل فيه قيادة متميزة واعية تطلق عقال الحرية والتميز والابداع والتطوير لدى المتميزين والمبدعين والمطورين".

لم يعد الأمر سِرّاً في بئر أو وعوداً من قائد لن يسأله عنها أحد لاحقا، أو جملة في خطاب العرش كما يحدث في عالمنا العربي.

إنها" معادلة صنع التطور والحضارة وسرها الكبير".

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لا يقف في الصف الخلفي وينظر إلى الموكب، ولا يتحدث عن اللحاق به والتساوي مع الآخرين.

إنه يريد صناعة التاريخ بزمن غير الذي يعرفه الآخرون فيقول" خمسون سنة من الابداع والتميز المكثفيّن يمكن أن تدفع أمَةً بأسرها ألف عام".

القائد الإماراتي لا يبحث في سباق التميز عن المشروع الجيد ليبتسم ويطلب من معاونيه اتمام الانجاز.

ولا يسعى إلى المساواة والمحاكاة والتقليد ولو كان المشروع حديثَ الدنيا، فهو ليس إبداعاً.

لذا فهو يقول" المشروعُ هو الفكرة، وإذا لم نجد الفكرة الجديدة فلا نريد المشروعَ لأنه لن يكون مشروعاً جديدًا بالمواصفات العالية التي وضعناها لأنفسنا".

قمة الاستقلالية في صناعة القرار داخل العقل المبدع أولا، وهي وضع الشرط الأهم، أي ( الفكرة الجديدة)، وإلا فما هي الفائدة التي ستجنيها الدولة إنْ قامت بالتقليد، فالآخرون سيتقدمون حالما قام المقلّد بالمحاكاة، وتظل شروط النهضة غير متوفرة.

يقارن أحيانا دبي بغيرها ليصل إلى نتيجة مفادها أن الابداع أيضا عربي وإماراتي ودبياني، وأحيانا أخرى يقارن الإمارات بغيرها لكنه لا ينسى عروبته ودينه فينسب للتاريخ الكبير جذور الابداع.

يستمر في صناعة الأمل فيصف دبي قائلا:" في المجتمع دائما من يحتاج إلى المساعدة وهؤلاء سيتلقونها لكن على الباقين أن يستيقظوا مبكرين ويسابقوا ويتاجروا ويصنعوا وينتجوا ويبنوا ويربحوا لأن دبي كلها تستيقظ مبكرة، وتسابق وتتاجر وتصنع وتنتج وتبني وتربح في بيئة تسودها المنافسة الايجابية والأمن والأمل".

مرة أخرى يقطع الطريقَ على المتكاسلين والبيروقراطيين الذين يفُتّون في عضُد الأمة، ويقتلون الوهجَ ويعادون الابداع.

وإذا لم توجد تلك البيئة فإن الشيخ محمد بن راشد حاضر ليشير إلى حل واحد وحيد وهو التغيير. " التغيير في المناهج، التغيير في التدريب، التغيير في التفكير، التغيير في عمل الحكومة، التغيير في الأولويات".

حتى الفكرة الجديدة المبدعة غير القابلة للفشل لا يتركها الرجل كأنه حجر لا تبديل فيه، إنما يضع دائما التغيير كواحد من الاحتمالات الأخيرة والتي لا تتصادم ألبتة مع فكرة ضرورة النجاح والتميّز و .. الحصان الفائز وليس الحصان الثاني.

يظن كثيرون أن القائد الناجح على ثلة صغيرة من الناس يصبح بالتالي قائداً ناجحا على جماعة من البشر أو على بلد أو على أمة.

لكن الشيخ محمد بن راشد ينفي هذه الفكرة تماما ويقول:" القيادة، والقائد، على درجات فمن يقود جماعة غير من يقود جيشاً، ومن يقود الجيشَ غير من يقود الأمة. ما يمكن قوله بقدْرٍ معقول من الثقة المبنية على التجربة والخبرة والمراقبة هو أن القيادة خاصيّة يملكها البعض ولا يملكها البعض الآخر".

ثم يقفز إلى النتيجة النهائية التي يختصر فيها تعريفات وصفات القائد مُنطلقاً من أنه لا يوجد قالب يمكن أن نضع فيه الخصال والخصائص في النفس البشرية فنحصل على القائد، ولا يوجد قاسم أو قواسم مشتركة بين القادة، ولكن " أعتقد أن أحد أسباب هذه الصعوبة وجود مَلكات وعواطف وطاقات في القائد لا يمكن قياسها أو تعريفها أو تحديدها بسهولة، لذا نجد البعضَ يطلق صفات مثل السحر والدهاء على ما لدى القائد لكنّي أفضّل الحديثَ عن الروح القيادية".

رائع هذا الاكتشاف الذي لا يحتاج من أي قاريء له إلا ورقة وقلما ثم يكتب أسماء عشرات أو مئات من الزعماء الأحياء منهم والأموات، ثم يقوم بتطبيق رؤية الشيخ محمد بن راشد ليخرج بنتيجة مزعجةٍ للساذجين والصامتين الذين يتصورون أن سيّد القصر سيصبح عبقريا فذّاً وقياديا وفارسا نبيلا فور دخوله بوابة القصر على بساط أحمر تنحني على جانبيه رؤوس الرجال، وتتقوص ظهورهم.

والشيخ محمد بن راشد يزيد الأمر وضوحا وجلاء فيقول:" الروح شيء لا يُزرع ولا يُنزع ففي الروح القيادية اصالة عميقة وجذور ضاربة في الوراثة والفطرة وأغصان تصقلها مؤثرات عدة مثل الزمن والحكمة والعلم والخبرة والتجربة والمهارة والاحتكاك بالآخرين والاطلاع على خبراتهم وحكمتهم ومهاراتهم".

والقائد في فكر الرجل الثاني في دولة الإمارات العربية المتحدة ليس صيّادا ماهرا فقط يبحث عن المكان والزمان والفرصة، لكنه يصنعها.

فيقول: “ القائد يجب أن يغتنم الفرصة الكبيرة عندما يراها، وإن لم تكن هذه الفرصة قائمة فعليه أن يكون مستعدًا لصنعها".

عبقرية الاستنارة الفكرية تكمن في إيمان الشيخ محمد بن راشد بالخروج من جلباب الماضي شريطة أن يتم الاحتفاظ به وتقديره، لكن ارتداءه من جديد أمر مستحيل.

يشير أيضا إلى الماضي والآخرين بصفة مشتركة كأنهما يملكان نفس خاصيّة الجذب الممغنط الذي يعرقل التجربة فتبدو أنها ناجحة، ويوقفها ولكن كثيرين يظنون أنها تسير.

فيقول:" إذا تركنا الآخرين يصنعون مستقبلنا فإنهم سيعطوننا المستقبل الذي يناسبهم وليس المستقبل الذي يناسبنا. إذا لم نختر المستقبل فإننا نختار الماضي. ماضينا كان عظيما وهو في قلوبنا وتكويننا لكن الماضي له أهله، ولا نستطيع أن نعيش فيه ولا مكان لنا فيه".

أدب الحديث لدى التطرق إلى التراث والماضي ولو كان بيننا وبينه بُعد المشرقين.

الشيخ محمد بن راشد لم يقل بأن الماضي لا مكان له بيننا، لكنه بأدبه الجَمّ وحفاظه على صورة التراث قال بأنْ لا مكان لنا فيه.

ويستدرك القائد العربي الإماراتي الكبير قبل أن تتحرك سيوف الماضويين الذين يسعوّن لايقاف عقارب الساعة فيقول: “ المطلوب اليوم ليس تحرير أنفسنا من الماضي لأنه يعيش في ضميرنا بل تحرير أنفسنا من البقاء في الماضي".

وضع الشيخ محمد بن راشد كل من يريد أن يتبعه في نهضة الدولة وسباقها وتطورها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما صناعة التميّز والإبداع، أو تقليد الآخرين سواء رحلوا منذ زمن بعيد أو تقدموا عنّا بزمن طويل.

الرسالة يقرأها من أراد بالكيفية التي يفهمها، لكنه مضطر إلى الرضوخ للقائد فليس لدىَ الشيخ محمد بن راشد وقت للإنصات لمن يريد أن يقنعه بأن الحصان الثاني أيضا فائز، أو أن كل الخيل التي دخلت السباق فازت بطريقة أو بأخرى.

الرسالة أيضا دينية وسياسية واجتماعية وثقافية، ومن أراد بناء برج بمواصفات عثر عليها في كتاب قديم مهمَل فوق أحد رفوف مكتبته فليس لدىَ القائد الإماراتي دقيقة يستمع إليه فيها.

ومع ذلك فالشيخ محمد بن راشد لا يلقي مسؤولية الفشل على غيره من المرؤوسين رغم أن نهج الكتاب من ألفه إلى يائه مناهض تماما لفكرة الفشل.

يقول صاحب ( رؤيتي) في رؤيته بــ:" أنَّ المسؤولية يتحملها ويقوم بها على أكمل وجه، وأنْ يواجه الأخطاء بشجاعة ومهما تكن العواقب مؤكدا بأن كل الأخطاء هي أخطاء القائد، وأن كل النجاح نجاح الفريق"!

من هنا ينزع الشيخ محمد بن راشد من معاونيه بذرة الخوف ليضع مكانها الاحترام والتقدير.

إنه يعرف أن الخوف يصنع الأيدي المرتعشة وغير القادرة على التميّز والابداع، لكن الهيبة مع التقدير والمحبة والاحترام تجعل المرؤوس يضاعف قدراته عدة مرات مع كل نجاح يحققه.

يؤمن الرجل الثاني في الدولة ورئيس الحكومة بتلك الحكمة القائلة: “كن قدوتهم تضمن قدرتهم، لذا على القائد أن يكون مثالا يُحتذى في تواضعه وصفاته الشخصية ودرجة تحمّله للمسؤولية وعدله وإنصافه وموضوعيته".

ولأنه يتحمل المسؤوليةَ فإن الكلمة الأخيرة والفصل والحاسمة له بمفرده بعد أن يستمع لكل الآراء والاقتراحات والتفسيرات.

إنه لا يقول لرعاياه أو لمعاونيه بأنه يقاسمهم المسؤولية في الخطأ، فالقرار كان له، لذا فإن المسؤولية يتحملها هو. ورغم ذلك فعبقرية القيادة في إهداء النجاح للفريق بأكمله.

يصف الشيخ محمد بن راشد هيبة القائد وهو يتحدث كالآتي:" عليه اختيار الكلام الملائم لمناسبة بعينها، وليكن النطقُ سليما والصوتُ واضحا والحركات متناسقةً والعرضُ لائقا بالقيادة وهيبتها لكي تزداد ثقة المرؤوسين برئيسهم ويعلو مقامه عندهم".

حياء الشيخ محمد بن راشد يمنعه من الاشارة إلى أسماء بعينها عندما يتحدث عن الطغاة والمستبدين والديكتاتوريين الذين لا يستمعون لنصيحة أو مشورة وكأنهم تخرجوا، على حَدّ قوله، من مدرسة واحدة.

وينتقل القائد الإماراتي إلى أهم فقرة في ( رؤيتي ) فيقول:" من يقدّر قائدَه ويحترمه ويجلّه ويرغب بفضّله وتقديره فليصارحه وليُذَكّره بأخطائه وعيوبه وليسدّد خطاه ويهديه سبيل الصواب".

إنه لا يطلب الطاعةَ العمياءَ إنْ كان لدى المرؤوس رأيٌّ مخالف شريطة أن يكون منطقيا وموضوعيا وقائما أيضا على الدراسة.

ويشترط تلك العلاقة الدافئة والاحترام والتقدير لتصبح الاشارة إلى الخطأ هدية إلى القائد وليست عصيانا على توجيهاته.

ويصل التواضع بالشيخ محمد بن راشد إلى النزول لكل معاونيه ومرؤوسيه طالبا تذكيره بعيوبه.

كلمة جديدة على لسان قائد لم يطلب فقط الاستشارة والتذكير بعيوب المشروع، لكنه ألحََّ فيمن يحبه أن يهديه الانتباه إلى عيوبه.

عبقرية الريادة الدبيانية بدأت مع العداء الذي يحمله آل المكتوم الكرام للروتين والبيروقراطية، فيقول صاحب ( رؤيتي ) بــ" أنَّ الكَسَلَ يشدّ الكَسَلَ والنشاطَ يَشُدّ النشاط، وأن الضغوط والعمل الشاق والتحديات الكبرى هي التي تصنع الرجال".

يضع الشيخ محمد بن راشد يده على أهم رؤية مستنيرة ومتقدمة لقائد عربي وذلك عندما وصف الحكومة الناجحة بأنها “التي تزيل عن طريق مواطنيها أكبر عدد ممكن من العراقيل، في مقابل حكومة فاشلة تضع أمام مواطنيها مثل هذا العدد من العراقيل".

ولا يكتفي نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بهذا الوصف في صيغة تعميمية يعرف مسبقا أنها لن تؤتي أكُلَها قبل الشرح لتلك العراقيل فيصفها بأنها عراقيل أمام الطالب والمرأة والمستثمر ورجل الأعمال.

ثم يعود إلى وطنه العربي الكبير وكأنك تسمع صرخاته مخلوطة بحزن وأسف وأسى فيقول عن الوطن العربي بأنه" اختناقات في اختناقات: اختناقات في المرور وفي الدوائر وفي المطارات وفي انجاز المعاملات حتى يكاد المرء يظن أن عمل الحكومة هو إغلاق كل باب مفتوح واسدال الستار على كل طاقة تنفذ منها شمس الفاعلية التي تقتل الروتين".

ويقذف في وجه المجتمع كله غاضبا بسؤال تحريضي يقول فيه:" هل المواطن في خدمة الموظف، أم أن الموظف في خدمة المواطن؟".

الشيخ محمد بن راشد لا يخدع شعبه بامتداح الدور الكبير للقطاع الحكومي، لكنه يشير إلى فساده فيضعف الاستثمار الأجنبي.

ثم يأتي تهديده الصريح لكل من تسَوّل له نفسه إعادةَ عجلة التقدم إلى الخلف فيقول:" نحن نقدّم فرصاً استثمارية متميزة، وسُمعتنا في هذا المجال عالمية، ولن نسمح لأحد أن يسيء إليها مهما تكن الأسباب".

وحتى لا يظن معاونوه ومساعدو معاونيه وكل المرؤوسين أنَّ كرمه ومحبته لهم وتقديره إياهم وإغداق المكافآت تعني أن الغضب اختفى في ثوب التسامح، وأن الحسم تدثر بالطيبة، وأن قوانين العقوبات لم تعد سارية، فإن الشيخ محمد بن راشد يلوّح صراحةً وجهراً بــ" السمكة الفاسدة التي تنشر الأمراض وتلوث الهواء النقي . إنها تنشر الفساد في السمك الآخر لذا لا مكان لها عندنا. يجب استئصالها فورا وإحالتها إلى القضاء لتنال العقاب الذي تستحقه".

إشارة إلى السلطة القضائية بأنها صاحبة الأمر والنهي، وهي جهاز العدالة الذي يحمي الدولة.

لم يقل صاحب ( رؤيتي ) بأنه سيقيم الحدَّ على الفاسدين، وسيوقع العقوبات، بل ترك ممثلي العدالة على الأرض يقومون بدورهم.

الشيخ محمد بن راشد يضع لمسات التربية القيادية أمام معاونيه لكي يتعلموا التواضع، فيقول:" أنا شخصيا تعلمت من جنود أفراد في جيشنا، ووجدت رأيهم صائبا رغم خبراتهم المحدودة".

إنه يخشى أنْ تصبح النصائحُ والاستشارات مقتصرةً فقط على القيادات، فيتم إغلاق البابِ عليهم وتتكون شلليّة من المقربين، لذا ضرب مثلا بنفسه، وطلب من الصغار قبل الكبار أن يخاطبوه بلا خوف أو مجاملة أو حياء حتى يتعلم من أخطائه.

وزير الدفاع يتعلم من الجنود الأفراد.

يردد الشيخ محمد بن راشد كلمة سباق مرات كثيرة حتى ظننت أنه وضع كتابه وهو يجري، بل أكاد أسمع نبضات قلبه بين صفحات الكتاب.

ثم يختصر كتابه كله في سؤال يوجهه لكل من أراد التعلم من خبرات وفكر ورؤية هذا القائد فيقول:" هل تعرفون ما هو أقوى شيء في العالم بالنسبة لي؟ إنه القرار الصائب في الوقت الصائب".

جعلهما توأمين لا ينفصلان فالقرار الصائب في غير وقته خطأ، والوقت الصائب لا يضيف إلا فشلا للقرار الخطأ.

كتاب( رؤيتي ) ينبغي أن يلتهمه كل من يريد معرفة القدرات الفكرية والتخطيطية والادارية والقيادية للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية