طائر الشمال
مجلة عربية حرة ومستقلة جامعة. جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير محمد عبد المجيد صدر عددها الأول في يونيو 1984 المراسلات Taeralshmal@gawab.com Taeralshmal@hotmail.com Oslo Norway
الحق والباطل متساويان لدى الجماهير

لو عاد جوستاف لوبون الآن بعد مئة عام من نشره كتابه الرائع ( سيكولوجية الجماهير ) لقرر وضع موسوعة كاملة عن نفس الموضوع بعد مراقبة متفحصة لردود فعل جماهير المسلمين في طول العالم وعرضه إثر نشر صحيفة يلاندس بوسطون الدانمركية رسومها المسيئة لنبينا الكريم، صلوات الله وسلامه عليه.

يصف عبقري عصر النهضة قاسم أمين الجماهير بأنها مُعينة الظلم وخادمة الطغيان!

رائع جدا أن يتسابق المسلمون للدفاع عن محمد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول الرحمة الذي نذكر اسمه الكريم مقترنا باسم الذات الالهية في أول ما يدل على اسلام المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

لكن الجماهير التي خرجت لم تشاهد الرسوم المسيئة، وربما لا يستطيع ملايين منهم أن يقرأوا كتاب الله العزيز، وهكذا تتولى نخبة من البشر قيادة الآخرين لواحد من النجدين، إما العداء والكراهية وإما الاندفاع ناحية هيام وحب وتأييد.

الجماهير حالة من التخدير الجماعي وفقدان الوعي والاستغناء عن العقل لأنه سيعيق حركة التمرد والاندفاع مما يتناقض تماما مع الهدف المعلن أو الخفي لثورتها أو تمردها أو طوفانها العاتي. الجماهير التي خرجت تستقبل الرئيس الراحل السادات بطلا للحرب هي نفسها التي هتفت له عندما زار القدس المحتلة، لكنها أخرجت غضبها العارم عليه في انتفاضة الجوعى والتي أطلق هو عليها انتفاضة الحرامية.

لم يكن الأمر يحتاج لأكثر من عدة خطب حماسية مليئة بأباطيل حتى خرجت الجماهير في الجزائر وتونس وليبيا والمغرب والأردن تهب روحها لشيطان بغداد بعدما غدر بجارته الصغيرة، ورقص الفلسطينيون في مخيمات اللاجئين فرحا وبهجة بالاحتلال العراقي الآثم لوطنهم الثاني .. الكويت فغابت عن الجماهير المغيبة فكرة أن دعهم الباطل للباطل العراقي كان حجة لمحتليهم الإسرائيليين في اعتبار الغدر والاقتحام وطرد السكان الأصليين حالة عربية تتعاطف معها جماهير الغوغاء.

تقف الجماهير ترتعش أمام نيكولاي تشاوشيسكو وهو يخطب فيها من قصره في بوخارست، وبعد دقائق تتحول نفس الجماهير إلى حالة من الهوس المضاد، وتهتف نفس الألسن بهجاء بدلا من مديح لم تزل آثاره باقية في أذن الديكتاتور الروماني الكبير، فينهار حكمه، ويهرب مصطحبا زوجته لتتلقفه الجماهير الغاضبة وترسله إلى العالم الآخر.

كان شارل ديجول بطلا للتحرير، لكن مظاهرات الطلاب أسقطته رغم أنه لايزال عملاقا في تاريخ فرنسا الحديث.

كان من الممكن أن تتحول حالة التحرير من نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا إلى مذبحة للبيض، لكن نيلسون مانديلا أمسك الدفة، واستطاع السيطرة على مشاعر الجماهير فتحولت ناحية محاكم الاعتذار وتنظيف الضمائر فبكت جنوب أفريقيا كلها كبديل عن مظاهرات الغضب.

هل تستطيع أن تتسلل إلى جماعة من الناس وتحطم لهم رمزا دينيا يحترمونه ويبجلونه ويوقرونه؟

إن سعادتنا بردود الأفعال الجماهيرية على  المسيئين للنبي الكريم لا تعني أن الجماهير محقة في كل الأحوال، فهي قادرة على أن ترهن مشاعرها لدى قيادة تحدد لها الحق والباطل، وتسلطها على هدف، وتدغدغ أحاسيسها، وتهيج جهازها العصبي فتنطلق محطمة كل شيء أمامها، فالجماهير بوجه عام غير عاقلة حتى لو دافعت عن حق لا لبس فيه.

لذا فإن الخطر دائما يأتي من عدة أفراد يحركون الناس كما يحرك الريموت كونترول جهازا تمت برمجته عليه.

الجماهير التي حطمت السفارات والقنصليات غضبا على رسم لم تشاهده لا تستطيع أن تجنح ناحية الجانب الآخر من الكرامة فتخرج مثلا منددة بالسجون والمعتقلات وقوانين الطواريء والفساد والتعذيب !

الملايين التي ترهق حبالها الصوتية في تظاهرات متخلفة تأييدا لديكتاتور أو طاغية أو جزار يذبح شعبه كما تُذبح الشاة المسالمة، لا تستطيع أن تتحرك ما لم يظهر من بينها ثائر غاضب يعرف كلمة السر في وجدان هؤلاء المهووسين والمغيبين والمخدرين ليحولهم لمناهضي الاستبداد، ويصنع منهم قوة عاتية جبروتية طوفانية بنفس القدر الذي كان مؤيدا للمستبد حتى تنجح حركة التمرد.

لو وقف زعيم من العالم الثالث يخطب  بحماس ملتهب أمام عشرات الآلاف فإن طلعته تضيف نوعا من الرهبة الخفية لدى الجماهير التي تدير بدورها مؤشر العقل على الاغلاق إلى حين.

لو انحشر بها عدد قليل وعرفوا كلمة السر في قلب معادلة التغييب عاليها سافلها كأن تكون مثلا: نريد عملا لملايين العاطلين، أو اللصوص سرقوا خيرات الوطن، أو الموت لفلان، فإنه لن تمر دقائق معدودة حتى تنتقل الهتافات بسرعة الصوت إلى كل الجماهير وتستمر في هوسها وغضبها وفوضويتها وعدوانها ولكن من الجانب المضاد.

الجماهير لا تحمل فكرة أخلاقية، لكن إذا وقع حظها السعيد مع قيادة حرة حاملة رسالة أخلاقية فستكون الجماهير عندئذ معينا لاسقاط أعتى الأنظمة.

الرسوم المسيئة كانت في نهاية شهر سبتمبر، لكن ثورة الغضب بدأت بمجموعة صغيرة لم تكن تعلم أنها ستشعل الدنيا كلها وكان أقصى أماني أعضائها أن يقوم أمين عام جامعة الدول العربية بالادانة وأن يستقبلهم شيخ الأزهر وأن تستضيفهم قناة للشيخ صالح لخمس دقائق لا أكثر.

ماذا لو قلت لهذه الجماهير الغاضبة بأن كرامتها من كرامة النبي، وأن عشرات الالاف من المعتقلين المنتهكة حرماتهم وآدميتهم هم شاهد على أن أكثر من مليار مسلم لا يستحقون شفاعة النبي الكريم ما لم يذودوا عن كرامتهم أولا؟  لن يحرك العقل ساكنا، ولكن قيادات نادرة تستطيع أن تحرك ملايين كما يفعل الطفل مع  لعبة اليو يو!

الآن عاد الحوار الاسلامي مع الغرب إلى نقطة الصفر، وكل الأبواب مغلقة أمام العقل حتى تهدأ العواصف.

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 13 ديسمبر, 2006 05:47 م , من قبل ttarwa

أؤمن ببعض المقال وأكفر ببعضه!!!

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية