طائر الشمال
مجلة عربية حرة ومستقلة جامعة. جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير محمد عبد المجيد صدر عددها الأول في يونيو 1984 المراسلات Taeralshmal@gawab.com Taeralshmal@hotmail.com Oslo Norway
الفخ الأمريكي للغباء الايراني

 

أوسلو في 23 مارس 2006
 

لابد وأن تفغر فاك وأنت تراقب كيفية وضع الطُعم في السناّرة، واقتراب السمكة منها وهي تظن نفسها حوتا أو قرشا أو إحدى عجائب البحار السبعة.
كلنا نضحك أو نبتسم أو نستمتع ونحن نشاهد زعيما شابا يرتدي ملابس بسيطة بدون ربطة عنق، ويتظاهر، ويتحدى العالم كله، ويملك كلمة السحر في ملايين المواطنين ثم يأتي الزعيم الروحي للثورة ليمنحها قداسة فتبدو لتلك الجماهير الموعودة دائما بالموت بدلا من الحياة كأنها خلاص من الدنيا وتسلم مفاتيح الجنة من القصر الجمهوري بطهران أو من مقر إقامة الإمام في قم.
أغلب الظن أن تجار الأسلحة في أمريكا وأباطرة الحروب وعشاق موت مواطني العالم الثالث يفركون عيونهم ويصفقون استعدادا لبيع مزيد من أسلحة فتاكة، وتدمير البلد الاسلامي الثالث قبل أن يولوا وجوههم شطر سوريا .. الضحية الرابعة لغباء القادة وجنونهم.
ألا تكفي مليون من أرواح البشر في حرب مسعورة بين جنود آيات الله وعسكر شيطان بغداد لمدة ثمان سنوات كان يمكن أن تجعل شعبيّ البلدين يعيشان في رفاهية وسلام وأمن وتطور؟
الحق الايراني في تخصيب اليورانيوم وصناعة قوة نووية رادعة لا يملك أحد معارضته أو ذرة واحدة من منطق عقلاني يمنع الجمهورية الاسلامية من تطوير قدراتها في ظل ميزان دولي يطفف فيه كباره فيغضون الطرف عن الهند وإسرائيل، ويمسكون في خناق قادة إيران كأن طهران على وشك احتلال موسكو ثم الاندفاع ناحية الصين لتصبح قوة إسلامية ثالثة.
ولكن السياسة أيضا ليست صراخا أو استعداء أو تحديات نعرف مسبقا أنها ستنهي العصر الايراني الاسلامي وتسوي بحراس الثورة الأرض المتعطشة للحياة فوقها وليس للموت تحتها.
كلنا نعرف أن الكيان العنصري البغيض في فلسطين المحتلة هو مجموعة من المستعمرين الاستيطانيين الذين اضطهدهم الغرب فألقى بهم إلى الشرق ليتخلص منهم ومنا.
ولكن عندما تتربص الدول العظمى في ساحة الوغى، وتسن أسنانها، ويتطاير الشرر من عينيها، فعلى الحكمة الإيرانية التي مضى عليها ألفان وخمسمئة عام أن تنقذ القادة من ألسنتهم، وأن تعلمهم أن السياسة فن قبل أن تكون سردا للحقائق، وأن عقدة الذنب الأوروبية الأمريكية في تاريخ اليهود سيلقيها الغرب في وجه القادة الايرانيين ولن ينفعهم فرح الجماهير بثورية الرئيس وهو يطلب نقل إسرائيل إلى مكان آخر.
الهولوكوست أيضا ليست فقط تاريخا موثقا من المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، وليست متحفا يبكي فيه زوار إسرائيل أمام مضيفيهم، وليست ستة ملايين أو أكثر أو أقل في مقابل أربعة وأربعين مليونا من المسيحيين الذين حصدتهم جنون النازية العنصرية، لكنها دخلت نسيج القيم الغربية الحديثة، وأصبحت لها قوة الردع الأخلاقي والأدبي والملزم والقانوني، وعندما نقارنها بالازدواجية في الكيل الغربي بين التسامح مع الاساءة للاسلام الحنيف ونبيه الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وبين بركان الغضب لأي شكوك في الهولوكست ينبغي أن نتفهم كيفية عمل المنظومة الأخلاقية الغربية.
عظيم أن نغضب لخاتم الأنبياء، ورائع أن نفند أكاذيب الكارهين لسيرته العطرة، لكن الغضب أيضا فن قبل أن يكون حقائق، وعندما يكون الجهاز العصبي للمسلم محكوما بأزرار بلاستيكية واهنة، فإن قضايانا كلها سيحكمها الفشل، وسنظل أخيب محامين عن أعدل القضايا.
تحتاج الجمهورية الاسلامية لفن الصمت، وبناء القوة من الداخل، ورفع القيود عن أبناء شعبها، واغلاق المعتقلات، وتحسين أوضاع السجون، وحفظ كرامة مواطنيها الذين يجلدهم حراس الثورة أمام أبنائهم وبناتهم.
تحتاج الجمهورية الاسلامية للمصالحة مع الذات، وكبح جماح مهووسي الحروب الذين يربطون دائما الموت بأوسع أبواب الجنة حتى لو لم يكن هناك هدف جهادي واضح وصريح. تحتاج الجمهورية الاسلامية للتعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي كوحدة واحدة تبدأ بالانسحاب من الجزر الإماراتية المحتلة، ومد يد الصداقة والتعاون لدولة الإمارات العربية المتحدة التي ستكون عونا لإيران، وسندا اقتصاديا لها.
كانت زيارة الرئيس أحمدي نجاد لدولة الكويت بداية موفقة, ورحلة ناجحة، وفتحا ذكيا لصفحة جديدة لوثها جنون صدام حسين، وعلى طهران أن تمد يدها لكل دول ( الخليجي )، وأن لا يشعر مواطن واحد، سني أو شيعي، في المنطقة أن الطائفية اللبنانية العراقية تقترب من دولته وسلامه وأمنه وعليها صُنع في إيران!
إيران سند للعرب، وقوة رادعة لأعداء الخليج، ودولة ذات تاريخ عريق، وحضارة تسبق حضارة كل دول المنطقة، وشعب يستطيع أن يحقق المعجزات دون وعود بمفاتيح الجنة لو هبطت فوق رأسه قذيفة أمريكية يطلقها صاروخ بحري في المياه الدافئة.
إيران قوة إسلامية، وثراء روحي، وسياج يحمي العرب ويحتمي بهم، وهوية تمتد جذورها إلى أولى حضارات العالم، لكن السياسة التي تحكمها تحتاج لتنظيف، وتنقية، وتدريب، وفن التعامل مع الآخرين، فالبراءة من الغير، والتلويح بقبضة اليد لن تجذب إلا الخصوم. إيران بعد العراق وأفغانستان وقبل سوريا فهل يحتاج الأمر لذكاء طفل كيف يفهم أبجديات العولمة؟

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية