أصحابُ أيّ مهنة يعتبرونها حِكراً عليهم فقط، فالطبيبُ الذي يتقدم بطلب لنقابة الموسيقيين ينظرون إليه برَيّبة، والفنان الذي يفتح مكتبا للمحاماة يفتح باباً للثرثرة عنه في نقابة المحامين.
أما السلك الدبلوماسي لأيّ دولة فيحيطه أصحابه بسورٍ عالٍ لا يتسلقه إلا مَنْ تدرّج في الدبلوماسية، ويعتبرون من يعمل معهم من خارج وزارة الخارجية غريبا ومطلوب منه أن يقوم بحل ألغاز المهنة.
ولكن المفاجأة أن القادم من خارج الخارجية قد يملك رؤيةً واسعة، وقدرة عجيبة على التحرك خارج وداخل النطاق الدبلوماسي لتحقيق أكبر مصلحة لبلده.
هكذا كان الفريق أول سعد الدين الشاذلي عندما قام الرئيس السادات بتعيينه سفيرا لمصر في لشبونة فأثبت قدرة فائقة في العمل الدبلوماسي والوطني ( مع تحفظنا لاحقا على موقفه المناصر لطاغية بغداد).
الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح يمثل ظاهرةً تستحق أن نقف عندها طويلا، متأملين قدرته على انجاز أي عمل تعْهَد له به الدولة كأنه متفرّغ لزمن طويل، أو باختصار كأن هذا عملُه الوحيد.
سنوات طويلة وهو مدير إدارة المراسم والاستقبال، والساعد الأيمن لسمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، والرجل الذي كان الأمير الوالد يثق به كأنه ابنه وكاتمُ أسرارِه.
في العيد الوطني الأربعين وعيد التحرير العاشر كان الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح العقلَ المحرّك للاحتفال، والجندي المجهول وراء نجاح الحفل والاستعراض واستقبال الضيوف وكان يطّلع على كل ورقة صغيرة أو كبيرة أو اعلان ليضعها في موضعها الصحيح.
قاريء نهم، ومتابع جيد لأحداث الوطن الصغير والمنطقة، ومضيف يخجلك تواضُعه الجَمّ، وإذا دعاك فلن يجالسك إلا قليلا لأنه يرى أن مهمته تنحصر في خدمتك ما دمتَ ضيفَه.
ابن بارٌ للكويت، لكنه أيضا موضع ثقة من كل كبار آل الصباح الكرام، فهو لم يكن في يوم من الأيام في حيرة بين طرفين، لكنه ينتظر الأمر من أمير البلاد لكي يخدم فيما طُلب إليه أن يقوم به.
ولكن أليس العمل لسنوات طويلة مديرا لادارة المراسم والتشريفات والاستقبال والبروتوكول هو في حد ذاته دبلوماسية على يمين ولي العهد رئيس مجلس الوزراء آنئذ؟
هل يمكن أن يكون السفير ممثلا للضيف والمضيف بنفس القَدْر؟
سفير الكويت لدى سلطنة عُمان هو سفير للبلدين معا، ويمثل الشيخ صباح والسلطان قابوس كأنه يتلقى التوجيهات من الزعيمين في نفس الوقت.
في عهده تحوّلت سفارة الكويت في مسقط إلى خلية نخل، ونشاطات البعثة الدبلوماسية فخرٌ للديرة، والشيخ فيصل يملك قدرة عجيبة على استخراج طاقة أي موظف لديه في حدّها الأقصى.
متابع جيد للساحة العُمانية، وهو لم يعد همزة الوصل بين البلدين، إنما جسر التواصل بين العُمانيين والكويتيين.
يكتب مقالات عن سلطنة عمان، ويحلل الفكر العبقري للسلطان قابوس بن سعيد، ويعقد صداقات مع عدد هائل من المسؤولين العُمانيين والمثقفين والاعلاميين، وإذا زاره مسؤولون كويتيون اعتبر أن واجبه دعوة نظرائهم العُمانيين وتسهيل العمل المشترك.
في السفارة الكويتية هناك ديوانية بيت الكويت تنقلك وأنت في مكانك لا تبرحه إلى كل مكان تريد أن تذهب إليه، فالسفير يحدثك في الفن والشعر العامي والعمل الدبلوماسي والحروب والسياسة الخليجية، ويمزح لكسر جليد الخجل لدى الضيف، وإذا تحدث فهو يملك القدرة
على الدخول إلى اللغة الدبلوماسية أو الخروج منها وِفقا لطبيعة الضيف.
منذ أن تولى تمثيل أمير الكويت لدى سلطنة عُمان تمكّن من جعل البلدين كأنهما في حالة وَحْدَة دون الاعلان عنها.
متحدث لبق بصوت يرتفع وينخفض مع كل جملة فلا تشعر إلا بالألفة لحديثه، ويشد انتباهك ولو اختلفت معه.
هل الوحدة بين بلدين هي اتفاقية مكتوبة؟
من يتابع نشاطات الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح يخرج بانطباع آخر، وهي أن الوحدة لها صورة أخرى يقوم السفير بصنعها دون حاجة لاتفاقات وعهود ووعود، بل يتحرك مواطنو البلدين من وإلى الأخرى كأنهم فعلا في حالة وحدة.
القيادة الكويتية ممثلة بأمير البلاد وولي العهد الأمين ورئيس مجلس الوزراء تقدر ما قام به سفير الكويت لدى سلطنة عمان.
أحسب أن الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح يتابع بفخر واعتزاز ما قام به الشيخ فيصل في مسقط.
الدبلوماسية ليست دروسا صَمّاء، ولا قواعد للسير في الطريق، ولا دليلا للبعثات الدبلوماسية، ولا هي حفلات واستقبالات.
إنها مبادرات شخصية أيضا، وأذكر أنه قبيل وصول الوفد الشعبي الكويتي في 15 ديسمبر 1990 لأوسلو سألتُ سفيرَ مصر أن يقوم معي باستقبال الوفد، لكنه تردد، ثم تراجع خائفاً من المسؤولية. وجاء القنصل العام ( السفير سليمان عوّاد المتحدث باسم رئيس الجمهورية حاليا )، وأقنع السفيرَ بأن قضية الكويت هي قضية كل الأحرار، وأنها أيضا قضية مصرية، فأقتنع السفيرُ واستقبل الوفدَ الشعبي الكويتي برئاسة الشيخ سلمان دعيج الصباح.
وزارة الخارجية الكويتية محظوظة بعدد هائل من السفراء والدبلوماسيين الذين كانوا ولا يزالون يمثلون خَطّ الدفاع الثاني عن الوطن.
الشيخ فيصل الحمود المالك الصباح قام بتوحيد الكويت وسلطنة عمان دون الدخول في مفاهيم وشروحات ومعاني الوحدة بين بلدين.
لوزارة الخارجية الكويتية أن تفخر بسفيرها في مسقط،ولكن من حق آل الصباح أيضا أن يفخروا بابنهم في سلطنة عمان، ومن يريد أن يرى بنفسه فعليه بزيارة جنة الخليج .. سلطنة عمان، وأن يقوم بزيارة ديوانية الكويت داخل البعثة الدبلوماسية، ويطلع على مقالات ونشاطات وما قام به الشيخ فيصل، وهنيئا للبلدين بسفير واحد.








من النرويج
تسلم اخوي ابو جاسم المحترم