طـائر الشـمـال
مجلة عربية حرة ومستقلة جامعة. جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير محمد عبد المجيد صدر عددها الأول في يونيو 1984 المراسلات Taeralshmal@gmail.com Oslo Norway
مرارة التَدَيُّن وعالم الكراهية

 
أوسلو في 13 أكتوبر 2007
سؤال ما أنفك يطارد لساني ردحا طويلا من الزمن، وأخشى طرحه لئلا يؤدي عدمُ فهمه إلى نتائج عكسية!
لكن في الأعوام القليلة المنصرمة أصبح السؤالُ جواباً، وأضحى الاستفهامُ حالةً من الواقع إنْ احتجتَ لشهود عليها آتيك بآلاف منها قبل أن تقوم من مقامك، وبأضعاف ذلك قبل أن يرتد إليك طرْفُك!
لماذا يرتبط التديّن ارتباطا عضويا لصيقا، في معظم الأحوال، بحالة كراهية لكل شيء .. للنفس والناس والمرأة والحرية والجمال والآخر والدنيا؟
تكاد تتنازل الشمس لها إن أردت أن تضرب مثلا بالوضوح، وأي انكار لتلك الظاهرة كأنه تثبيت واثبات.
في المنتديات الإسلامية على النت، وفي الأقسام الدينية لمنتديات عامة لن تحتاج لأكثر من بضع دقائق حتى تظن نفسك في ساحة الوغى، وترى أناسا، يبدأون بالسملة وينتهون بذكر اسم رب العالمين، يفترسون الخصوم، ويخلقون من الحوارات سيوفا مُسَلّطة على من يخالفهم، ويستخرجون من آيات التسامح أوامر للقتل، ويُخفون تحت ألسنتهم قواميس للشتائم والسباب واللعنات كأن أصحابها سقطوا من بطون أمهاتهم في غرزة مخدرات  أو في مصلحة أحداث بأحد السجون العربية.
حاول أن تجتهد في فكرك، وتستخدم عقلك، وتعرض رؤيتك الجديدة في قضايا مثل النقاب والحور العين والفروقات بين الارهاب والمقاومة، أو شارك بمداخلة أو مقال عن المساواة بين المرأة والرجل أو قيادة السيارة أو عدم أهلية أحد الشيوخ الفضائيين أو هاجم عالَم الفتاوى الفجّة والساقطة أو قُمْ بالمطالبة بمساواة المسلمين بغيرهم أو اطلب الرحمة من الله لشخصية مسيحية أو شكك في حديث أحادي وضعيف قيل بأنه ورد عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
انتقد الإخوان المسلمين أو أسامة بن لادن أو الظواهري أو الشيخ عمر عبد الرحمن، أو اكتب بأن من قاموا بتفجير البرجين التوأمين لا يعبرون عن روح الاسلام إنما هم إرهابيون، ولا تنس أن تقول بأن غير المسلمين ممن أتوا اللهَ بقلوب سليمة ومتسامحة وطيبة سيدخلهم اللهُ في رحمته.
فَنّدْ الفهمَ الديني لعمرو خالد أو الدكتور عمر عبد الكافي، ويمكنك أن تعرج على حياة أبي هريرة، وعارض بعض أفكار ابن تيمية، وقلّ بأن فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز لم تصالح العصر، ويمكنك رفض فتاوى العثيمين أو آل الشيخ.
قُلّ بأن صوت المرأة ليس حراما، وأن الغناء والموسيقى ترقق الطباع، وأن الفنون ضرورية للمجتمع، وأن من حق غير المسلمين بناء دور العبادة في أي مكان في العالم الاسلامي مادام المسلمون يمارسون نفس الحق في أركان الأرض الأربعة.
لن يترك لك معارضوك ومخالفوك فرصةً لالتقاط الأنفاس.
ستكتشف حينئذ أنَّ ممارسة الدعوة الدينية كما يفهمونها هي لسان سليط، وشتائم بذيئة، وسباب سافل وقبيح.
سيدهشك هذا الكم الهائل من البغضاء، ولن يقرأوا دفاعك، ولن يصل أي منهم للسطر الثالث من تعقيبك ثم تنفجر في وجهك براكين الحقد، والتكفير واتهامك في شرفك وأهلك وعِرْضِك.
سيقولون عنك جاهل وكافر أو مُوال للكفار والمشركين، أو تضع السم في العسل، أو عميل صهيوني.
ستقف حائرا ومندهشا وفاغرا فاك وغير مصدق أن هؤلاء هم المدافعون الجدد عن خاتمة الرسالات السماوية، وأنهم يقرأون القرآن الكريم، ويقفون أمام الله عز وجل في كل يوم طالبين أن يهديهم الصراط المستقيم.
قنابل موقوتة من البغضاء التدميرية، وسيارات مفخخة من كراهية مفترسة.
جوعى جنسيون خلطوا الحرمان بطاقة تفجير داخلية لا تفرّق بين اللسان الذي يطلق شظايا نارية، وبين قلب أتحدى أحدا أن يجد فيه نقطة بيضاء لا تراها العين المجردة.
كيف جمع هؤلاء بين التديّن الذي يرقق الطباع، ويلين النفس، ويلطف حشا الفؤاد، ويقترب من أسمى لحظات تحليق الروح في سماء الإيمان، وبين عشق مَرَضي لرؤية الدماء تسيل من وجوه خصومهم ومخالفيهم وأي مجتهد يستخدم رخصة إلهية باستعمال العقل والتدبر والتفكير؟
سيقول قائل بأنهم أقلية لا ينبغي أن نكترث لها، وأرَدُّ عن تجربة في الانترنيت والبريد الالكتروني ومتفرقات وكتب ونشرات ونقاشات وغيرها بأنهم كثيرون، ويمنعني الحياء والخوف على ديني من أن أقول بأنهم الأكثرية المتدينة.
ولكن الدين حالة حب وتسامح وانسجام مع الطبيعة، ورحمة تسكن القلب فيتسع للجار والمخالف والآخر بل وكل من لا يدين بالاسلام .
إنه دين يأمرك أن تأخذ بالعفو، وتقول للناس قولا ليّنا، وتعرِض عن الجاهلين، ولا تجعل أحدا ينفضّ من حولك إنْ كنت فظا غليظ القلب.
إنه دين الحرية في الاعتقاد، وشرط اسلامك أن يسلم من لسانك ويدك الآخرون، وإذا خاطبك أشد الناس كراهية لك فقل: سلاما!
إنه دين يضع لك في ميزان حسناتك الابتسامة، والكلمة الطيبة.
ومع ذلك فقد ظهر جيل من المسلمين كأنه تربى في أحضان تجار المخدرات، ورضع حليبا مخلوطا بتوابل مُرّة، وهو جيل تعرّف على الشاشة الصغيرة قبل أن يتلقى تربية منزلية، وأصبح عضوا في عدة منتديات على النت قبل أن يقرأ كتابا واحدا.
وصفتهم من قبل في مقال لي بأنهم ( صعاليك الإنترنيت) وأعتذر الآن عن هذا الوصف اللطيف والمخفف فهم شياطين النت وتلامذة إبليس.
لم يتعلموا من القرآن الكريم حرفا واحدا، إنما قرأوا فيه وعيونهم مُثَبّتة على نفوسهم المحشورة بين قرني الشيطان.
إنهم الطابور الخامس الجديد الذي سيجعل العالم كله يبغض الاسلام ، ويكره المسلمين، ويعيدنا قرونا إلى الخلف.
إنهم يقدمون على طبق من ذهب لخصوم المسلمين هدايا لم يحلموا بها، وتبريرات لكي يقوم الآخرون بعمليات شحن جماعية وسلطوية تساهم في العنصرية بكل صورها.
إنهم أشد خطرا على المسلمين والاسلام من المنافقين ومن قوى الاحتلال ومن الجهل والأمية والفساد.
إنهم أعداء الدين الجدد الذين يدافعون عن الدين ظاهرا، ويكيلون له ضربات قاضية بحقدهم وجهلهم.
صغار وشباب وطلاب جامعة وبلطجية ومسجلون خطرون وجهلة وأنصاف أميين لكنهم جراد انتشر على الانترنيت، وتعامل مع الكي بورد، ويُحصون مشاركاتهم كما يحصي البخيل أمواله صبحا ومساء.
يعرفون بعضهم باسماء حركية تتمسح بالدين وبشخصيات اسلامية، ويحشرون آيات قرآنية سامية في غير موضعها، ثم يدسون سمومهم من ألسنة حداد.
إنهم الأعداء الجدد الذين آذوا الاسلامَ كما لم تؤذه كل الحروب والغزوات والاستعمار الفكري والعسكري في تاريخه. إنهم الصورة الالكترونية الجديدة التي يختبيء خلفها إبليس.

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 25 ديسمبر, 2007 11:00 م , من قبل نور كلمات خاصة



أستاذي الفاضل ..

مع انني أتفق معك في كثير مما قلته .. ولكنك في المقابل لا تضع الصورة الأخرى ..صورة اولئك الذين أيضا يثيرون استفزاز الملائكة الأطهار .. وليس البشر .. اولئك الذين ما يفتئون يشتمون الدين صبح مساء ويشتمون الله علانية ويشتمون الأنبياء بكل وقاحة وكل شعيرة تمر لها مناسبة ..أن جاء رمضان تبدأ كيل الكلمات التي لا تنتهي من اعلان الكفر البواح والشتم والسب لا لشيء فقط للإستفزاز .. ان جاء الحج نفس الطريقة وهكذا دواليك ..الدين والمتدينون خرافة ووهم .. الدين أكذوبة .. والمتدينون قطيع من البقر .. انا لا اطالب هؤلاء بالأسلام .. فقط بالأحترام أحترام عقائد الناس .. احترام دين امة .. وبعد ذلك فمن شاء ان يكفر ومن شاء فليسلم ..سخرية واستهزاء بطريقة تجعلك تفقد اعصابك ..
ولولا وعي المرء فعلا لوصل الى الدرك الأسفل بردة فعله ..!!

يتبع ..

اضيف في 25 ديسمبر, 2007 11:02 م , من قبل نور كلمات خاصة


بالنسبة لي فعلا في عالم الأنترنت وصلت الى نتيجة هي أعرض عن الجاهلين ..لأنه لا المتشدد والأحمق الذين وصفت شاكلتهم في مقالك يسمعك ولا في المقابل الطرف الآخر الحاقد النافث لسمه ليل نهار على اي شيء يمت الى الدين بصلة يسمعك ويرى يدك الممدوة اليه للوحدة والبحث عن مصالحنا المشتركة في هذا الوطن العربي الكبير ..

لو تكتب يوما مقالا عن مرارة الحقد على الدين والتمرغ في الأيذاء ..



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية