طـائر الشـمـال
مجلة عربية حرة ومستقلة جامعة. جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير محمد عبد المجيد صدر عددها الأول في يونيو 1984 المراسلات Taeralshmal@gmail.com Oslo Norway
الموت البطيء بالأمر السامي .. مخالب أمير المؤمنين

أوسلو في 2 أكتوبر 2004
 
مليكة أو فقير ابنة الجنرال الذى حاول القيام بانقلاب ضد الملك الحسن الثانى ينبغى أن تدرس فى جميع مدارس الوطن العربى، وأن يقرأها التلاميذ والكبار، وأن يحفظها عن ظهر قلب حراس السجون وزبانية السلطة فى كل شبر من عالمنا العربى، وأن يتلوها بصوت مسموع كل ضيوف القصر الملكي الذين يأتون إلى المغرب فى شهر رمضان لإلقاء الدروس الحَسَنية والدعاء للملك الراحل بالرحمة والملك الحالي بطول العمر.
" السجينة " هو الاسم الذى وضعته مليكة أو فقير لمذكراتها فى سجن تعاف الجرذان العيش فيه، وترى العقارب فيه امتهانا لكرامتها، وتتردد الحيوانات الضالة قبل الدخول إليه.
فى 16 أغسطس عام 1972 قام الجنرال أو فقير بمحاولة انقلاب فاشلة، وتم قذف الطائرة الملكية بوابل من الرصاص فوق مدينة تطوان . فى المساء اتصل أوفقير بابنته مليكه وكان يبدو من صوته انه يعلم بقرب تصفيته كمدبر للانقلاب أو محرض عليه على الرغم من فشل عدة محاولات لاغتياله بعد انقلاب الصخيرات وتباعد الشقة بينه وبين الملك الحسن الثانى. تمت تصفية الجنرال أو فقير بخمس رصاصات، واحدة فى كبده، والثانية فى رئتيه، والثالثة فى بطنه، والرابعة فى ظهره، ثم جاءت رصاصة الرحمة فى عنقه لترسل الرجل الثانى والقوى إلى العالم الآخر.
وعندما أذاع راديو فرانس انتير تصريح عز الدين شقيق والدة مليكة أوفقير بأن الجنرال لم يمت ولكن تم إعدامه، لم تمض ثلاثة أيام على هذا التصريح قبل أن تصدم سيارة شرطة السيارة التى يستقلها شقيق الوالدة، وتأخرت سيارة الإسعاف، بأوامر عليا، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ‍.
فى اليوم الرابع تم فرض الحراسة الجبرية على عائلة أوفقير، وبعد انتهاء الحداد الرسمي جاء انتقام أمير المؤمنين من العائلة كلها، فالموت البطيء لكل أفراد أسرة أوفقير بما فيه الطفل عبد اللطيف الذى لم يكن قد بلغ الثالثة من عمره هي العقوبة التى تشفى غليل الملك، وينتقم من خلالها من روح الجنرال فى عالمه الآخر، ويعذبه وهو فى البرزخ، ويتفنن فى كل أنواع الإذلال والمهانة لمن يحمل اسم أوفقير حتى لو كان طفلا صغيرا يقوده زبانية التعذيب وهو يمص إبهامه إلى حيث ينتظره عذاب لاقبل به لانس أو جن، وسيقضى الطفل الصغير عشرين عاما لا يرى فيها العالم الخارجي، وسينزل به جلالة الملك عقوبات تهتز لها السماوات السبع ومن فيهن، وسيستمتع أمير المؤمنين وهو جالس فى شهر رمضان المبارك يستمع إلى الدروس الدينية، بخيال خصب ينقل إلى جلالته صرخات وآهات وعذابات والآم ثلاث نساء وستة أولاد يحسدون الأموات على نعمة القبر، ويحلمون بالانتقال إلى أى سجن من سجون العالم العربى الكثيرة، فانتقام الحسن الثانى لا يعرف للرحمة طريقا.
عشرون عاما قضتها عائلة أوفقير فى قبو تحت الأرض أو فى بقايا سجن يقع على مسافة مئات الأميال من أى مدينة، والأوامر السامية لسليل الأسرة العلوية ورئيس لجنة القدس والمنتسب وفقا للتاريخ الذى يكتبه القصر إلى نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، بأن يحرم القتل على هؤلاء النسوة والأطفال الصغار، ولكن ينبغى أن يشاهدوا الموت فى كل لحظة ويتمنونه ويحاولون الانتحار مرات عديدة ويكتبون بدمائهم وثيقة تذلل وطلبا للعفو ليرفضها الملك ويشعر بعدها بالراحة ‍.
طفل فى الثالثة من عمره يحمله جلالة الملك مسؤولية حمل اسم أبيه، الجنرال أوفقير، فيأمر أمير المؤمنين مؤمنيه بإنزال أشد العقوبات الجسدية والنفسية والعصبية لعشرين عاما كان من المفترض أن تمتد ما بقى له من العمر لولا شجاعة هذه الأسرة المغربية البربرية التى تحدت الملك ومئات من حرسه الذين اشتركوا فى الجريمة طوال عقدين من الزمان.
هذا الكتاب وثيقة وقطعة أدبية وآلام فى حروف وأوجاع على صفحات ووصف دقيق لحياة القصور الملكية المغربية وكشف لما يدور فى أروقتها وغرفها، فمليكة أوفقير كانت فى الواقع ابنة الحسن الثانى بالتبنى رغم أن والدها كان الذراع اليمنى للملك، وظلت فى القصر وتحت رعاية جلالته حتى غضب عليها وعلى كل من يذكره بالجنرال.
وفى مزيد من التفنن فى الإذلال أمر الملك بأن تنقسم الأسرة إلى قسمين فى نفس القبو الذى تتخذه الفئران والعقارب والصراصير والدود مقرا دائما، ومرت عدة سنوات لا ترى الأم فيها أولادها وبناتها وهم يعيشون موتى ويموتون أحياء فى نفس المكان، ويفصل بينهم جدار.
وتصف مليكة أوفقير لقاء الأسرة وقد حفر الزمن فى جلودهم وشعورهم وأجسادهم وعيونهم بشراسة، فهم لم يلتقوا لسنوات طويلة يفصل بينهم جدار بناه الحسن الثانى بكل ما أوتى من رغبة فى إذلالهم، ومتعة فى أن يتحدى إبليس يوم القيامة ويقول له: لقد كنت أكثر منك قسوة ووحشية، ونفيت مئات، وعذبت الآلاف، وقتلت واحتقرت شعبي ورفضت الإدلاء بأي حديث صحفي لمغربي لأنني ازدريهم، ولم أقم بزيارة المناطق الفقيرة الريفية، وبلغت ثروتي أربعين مليار دولا ر، وسجد لي المغاربة وكانوا يقبلون يدي، ظهرا وبطنا، ويركعون أمامي، ويعتبرونني أمير المؤمنين، ويشيدون بورعي وإيماني وأنا أجلس منصتا للدروس الحَسَنية، ووضع القادة العرب القدس الشريف بين يدي. . .
من أراد أن يطارده الأرق ويؤرقه ضمير الصمت ويخجل من انتسابه للإنسان الذى خلقه الله فى أحسن تقويم ثم دفع به إلى أسفل السافلين فليقرأ كتاب " السجينة " لمليكة أوفقير. فى 25 يونيو 96هربت ماريا أوفقير إلى أسبانيا ومنها إلى فرنسا، وكانت نهاية الكابوس وفى 16 يوليو وصلت مليكة إلى باريس مع أخيها رءوف وأختها سكينة، كانت مليكة فى الثالثة والأربعين من العمر، وقد قضت عشرين عاما فى سجون المغرب وخمسة فى الإقامة الجبرية

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 10 ديسمبر, 2006 09:36 ص , من قبل ttarwa

يا الله ...مع كل ما نعرفه عن العالم العربي والجنون الذي فيه..يتبين لنا أحيانا أننا لا نعرف شيئا..هل يعقل هذا الكلام...حسبي الله ونعم الوكيل!!!
أتعجب من جرأتك يا سيدي وأشكرك عليها
وبارك الله فيك...حتى تعرف هذه الأجيال التي لا تعرف كثيرا من الأشياء بعضامما يدور في الخفاء.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية