طـائر الشـمـال
مجلة عربية حرة ومستقلة جامعة. جميع المقالات بقلم الناشر رئيس التحرير محمد عبد المجيد صدر عددها الأول في يونيو 1984 المراسلات Taeralshmal@gmail.com Oslo Norway
لماذا لا يُحاكمَ العقيد معمر القذافي؟

أوسلو في 20 يونيو 2003

أقل قليلا من ثلاثة مليارات من الدولارات الخضراء سيتم انتزاعها من أموال الشعب الليبي المسكين لتتسلمها مصارف أمريكية ومكاتب محاماة ثم تقوم بتسليمها إلى عائلات ضحايا الطائرة التي انفجرت عام ثمانية وثمانين فوق مدينة لوكيربي الاسكتلندية.

وحتى الآن لم تتم محاكمة المسؤول عن هذه الجريمة النكراء ولم يقل لنا رسول الصحراء ماذا يعني بتحمل ليبيا المسؤولية المدنية عن سقوط طائرة ركاب توجهت من مالطا إلى نيويورك دون أن يكون للجماهيرية العظمى أي علاقة أرضية أو جوية بها, ولم تسقطها الدفاعات الليبية كما فعلت اسرائيل مع الطائرة المصرية في سماء ليبيا والتي كانت تُعرف وقتها بطائرة سلوى حجازي !

لقد ظن العقيد معمر القذافي أن خضوعه لأمريكا وبريطانيا بتسليم المتهمين إلى محكمة في لاهاي, والحكم على أحدهما هو نهاية المطاف, ثم رفع العقوبات, لكن القائد الليبي كغيره من الطغاة والمستبدين يبحث دائما عن مخرج لنفسه, واستمرار السلطة حتى لو كان مقابل هذا الاستمرار جحيم مقيم لشعبه المقهور تحت أحذية العسكر وزبانية التعذيب.

في ليبيا ليس هناك حكومة أو سلطة تنفيذية أو تشريعية أو قضائية أو مؤسسات تدير شؤون دولة, لكن هذا البلد العربي الذي تمتد مساحته لنصف شمال أفريقيا وبجلس شعبه على ثروة كان من الممكن أن تجعله من أغنى شعوب المنطقة, يقع كله في قبضة طاغية مستبد يعيش في هوس غرور يستغرق كيانه كله, فيظن أنه المفكر والقصاص والشاعر والأديب والعسكري ورجل الدين والفيلسوف والحكيم والوطني وأمين القومية العربية التي تحولت إلى الأفريقية منذ عدة سنوات!

نحن لا نبحث هنا عن الشهود والوثائق للوصول إلى المجرم الحقيقي الذي فجر الطائرة وقتل مع سبق اصرار وترصد مائتين وسبعين من الركاب الأبرياء, فالسلطات البريطانية والأمريكية استجويت آلاف الأشخاص على مدى ثلاث سنوات قبل أن توجه اصابع الاتهام للنظام الليبي, الذي دافع بدوره عن نفسه ودحض الاتهامات وسعى لاثبات براءته أمام ذئبين يتربصان به لمواقفه الوطنية، كما يتوهم الحمقى، ورفضه الاعتراف بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

تاريخ النظام الليبي في دعم الارهاب ليس سرا, فالعقيد معمر القذافي أمد الجيش الجمهوري الايرلندي بالسلاح الذي استخدم في قتل الابرياء بمحطات القطارات في العاصمة البريطانية وغيرها, وأمد منظمة تحرير هاييتي بأكثر من عشرين مليونا من الدولارات لتنفيذ عمليات ارهابية, وكان العقيد يدعم منظمة أبي النضال التي جعلت من ترويع الآمنين نضالا من أجل تحرير فلسطين, وأعطى العقيد أوامره بتصفية المعارضة الليبية ووصفها بالكلاب الضالة التي يحق لمخابراته قتل أي من افرادها أينما وجدوه, وتم بالفعل قتل وتصفية ليبيين في روما وقبرص وأثينا ولندن.

أما خطف الامام موسى الصدر وتصفيته وهو الضيف الكبير الذي نزل معززا مكرما على خيمة العقيد فلا تزال قضيته ساخنة لن يهدأ لمريديه وأتباعه وأسرته بال قبل معرفة تفاصيل العمل القذر الذي قامت به المخابرات الليبية والتي لها باع طويل وأحمق في عمليات الخطف كما حدث مع منصور الكيخيا أو التعاون بينها وبين أجهزة الاستخبارات الأردنية والتونسية لتسليم المعارضين وحماية الأنظمة الثلاثة.

النظام الليبي بائد وعفن من بقايا التخلف الذي يذكرنا بأحط عصور الحكم الاستبدادي القائم على هوى الحاكم أو الخليفة, فيمنع ويسمح ويأمر وينهي ويقطع الرقاب, ويحول رعاياه إلى عبيد مستكينين ومغلوبين على أمرهم.

دفع المليارت من أموال الشعب الليبي, بغض النظر عن مسؤولية رسول الصحراء عن الجريمة البشعة, عمل ظالم بكل المقاييس, فالمطلوب فورا محاكمة دولية أو عربية أو اسلامية عاجلة للعقيد معمر القذافي قبل أن تضيع ليبيا كلها, ويستولي الغرب على ثرواتها بحجة دفع تعويضات عن كل الأعمال الارهابية التي قام بها النظام منذ توليه الحكم.

لماذا لا يقوم محامون مصريون برفع دعاوى قضائية لتعويض عائلات الضحايا الذين سقطوا من جراء الأعمال الارهابية التي قامت بها استخبارات العقيد في مدن مصرية عديدة ابان حكم الرئيس الراحل أنور السادات؟

مليارات سيدفعها شعبنا الليبي المضطهد والمعذب والمقهور بجرة قلم من قائد الثورة وكأنها أمواله الخاصة أو من أرباح البزنس لأولاده أو ربما ورثها عن شيخ القبيلة.

ما هذا الاستخاف بمقدرات الشعوب وممتلكاتها وخيرات أجيالها القادمة والتي تبدو ملكا خاصا وحسابا بدون حساب يتصرف فيه الحاكم الأحمق والأبله؟

العقيد معمر القذافي أيضا نمر من ورق, وعندما يفتح شعبنا الليبي ملفات تجاوزات النظام الجماهيري المستبد سيدهش الجميع في سقوط أكثر سرعة من سقوط نظيره في بغداد, وستكتشف الجماهير عندما يهرب العقيد وأتباعه وزبانيته أنها كانت مغيبة ومخدرة خلف شعارات جوفاء وظاهرات يومية تأييدا للظلم الواقع عليها ونهب ثرواتها!

والعقيد معمر القذافي الذي يوزع صكوك الغفران, وأوامر القتل والتصفية, ويأمر بمكافأة المتزلفين والمنافقين من المثقفين والاعلاميين والصحفيين للدفاع عنه وتبرير حماقاته هو الذي يستحق المحاكمة العادلة في أي مكان, وأن يتعرى نظامه الفاسد, وتفتح منظمات حقوق الانسان ملفاته كاملة منذ عام تسعة وستين, ويتحرر الشعب الليبي ويبحث عن مفقوديه وقتلاه وأبنائه المعتقلين في سجون جماهيرية الرعب.

لماذا لا يسدد العقيد لعائلات ضحايا لوكيربي من أمواله الخاصة؟

ألم يكن يعلم منذ عام ثمانية وثمانين أنه يتحمل ما يطلق عليه المسؤولية المدنية, وهي كلمة مخففة ومستترة اخترعها النظام بديلا عن الارهاب والجريمة؟

كيف تمكن هذا الرجل بمفرده من تطويع شعب بكامله له تاريخ مجيد ومشرف في مقاومة الهيمنة والسيطرة, ومن صلبه خرج عمر المختار؟

كيف أمكن للقذافي أن يشير باصبعه فقط فيخرج عشرات الالاف في مظاهرات صاخبة تغني وتطرب لقرار هزلي حتى لو كان التهديد بالانضمام لحلف وارسو(سابقا), أو أفرقة ليبيا, أو دعم ملك سوازيلاند ليشتري طائرة خاصة بأموال الشعب الليبي, أو تسديد الضرائب المستحقة على إحدى فرق كرة القدم الألمانية, أو انفاق الملايين على الترويج للكتاب الأخضر بكل لغات الأرض, أو شحن اسلحة للمتصارعين إبان الحرب الأهلية اللبنانية, أو الدخول في صراعات مع السودان وتشاد ومصر وتونس والمغرب وايطاليا؟

تفكيك الدولة وتحويلها إلى سيرك تهريجي وتنصيب نفسه قائد الثورة وهو أيضا مسمى غريب يمنح صاحبه صلاحيات مطلقة بغير حساب فهو يدعي أنه لا يحكم, وأنه نفض يديه من مشاكل وهموم وطنه وتركها للجان الشعبية.

واللجان الشعبية الليبية في الواقع تأتمر بأمره, وهي تجمع برلماني ليس لعنصر الكفاءة أي أهمية تذكر, والمهم تلبية رغبات العقيد, وتحويلها إلى واقع ملموس.

فاللجان الشعبية الليبية قطيع يهش العقيد بعصاه عليه, فيحركه أو يوقفه أو يمنع عنه الطعام والشراب, أو يلقي به في سجون الجبل الأخضر.

لقد آن الوقت لمحاكمة العقيد معمر القذافي على كل ما قام بارتكابه من جرائم ضد الانسانية, واهدار أموال وحرية وكرامة رعاياه, واعتبار الحماقة والتخلف والتهور فلسفة حكم.

أما تعويضات ضحايا لوكيربي فينبغي أن تكون مقدمة لمحاكمة قائد ثورة الفاتح من سبتمبر, فهو المسؤول الأول عن تفجير الطائرة بعدما وافق على تحمل المسؤولية المدنية, وإذا استمر الشعب الليبي في استكانته وخضوعه, ورضائه على العبودية التي يعيش في ظلها, فربما يأتي الوقت الذي يتسول فيه الليبيون من مملكة سوازيلاند!

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية